+971 2 654 4043
contact@tadafur.com

تحول إلكتروني… أم تحول مؤسسي؟

أدى ظهور الحكومة الإلكترونية والذكية إلى مبادرات وبرامج تحول ضخمة من أجل نقل العمل الحكومي من طبيعته البيروقراطية واليدوية إلى منظومة متطورة وحديثة تستخدم التقنيات الحديثة من أجل تقديم الخدمات وتحقيق رفاهية المجتمع.

وضعت المجتمعات والحكومات من مختلف بلدان العالم آمالا كبيرة على هذه البرامج والمبادرات وأنفقت استثمارات هائلة وتم التسويق لها على أنها الحل الأمثل لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل ورفع الأداء الحكومي وتحسين العلاقة مع المواطنين.

بعد مضي أكثر من خمسة عشرة سنة من إطلاق وتفعيل هذه المبادرات نجد أن بعض الحكومات حققت الأآمال والأهداف المحددة وأخرى حققت نجاحا جزئيا لكن يبقى دون مستوى التطلعات بيد أن أخرى أخفقت إخفاقا تاما.

 فيا ترى ما السبب وراء هذه النتائج المختلفة رغم أن نقط الانطلاق تبدو متشابهة بين كثير من البلدان؟

 في ما يلي تحليل مركز لأهم عوامل النجاح وأهم أسباب فشل التحول. هذه التحليل نابع من صميم تجربة ميدانية لسنوات عديدة وعلى مستوى بلدان ووزارات وجهات حكومية مختلفة.

بعد ذلك يقدم هذا المقال توصيات هامة بما يمكن فعله لتدارك الوضع وتحقيق نقلة حقيقية خاصة وأن طفرة تقنية كبيرة وجديدة على الأبواب وتغيرات جيواستراتيجية من نوع جديد تبدو في الأفق القريب.

تحول إلكتروني أو مؤسسي؟

لا شك أن الطفرة التقنية والمعلوماتية في بداية الألفية كان لها دور كبير في إطلاق مبادرات التحول الإلكتروني في مختلف دول العالم. لكن الفرق يكمن في منظور كل دولة لهذا التحول. فبعض الدول والتي كانت أكثر ذكاء استغلت الثورة التقنية والمعلوماتية من إجل إحداث تحول مؤسسي شامل. إذ صاغت برامج للتحول المؤسسي داخل الجهات الحكومية يشمل كل عناصر هذه الجهات من هيكلة وإجراءات وقوانين وثقافة العمل وكذلك البنية التحتية والتقنية. في حين أن الدول الأقل نجاحا توقفت عند الشق التقني من التحول وركزت على تقديم الخدمات إلكترونيا وشراء بعض الأنظمة والتجهيزات التقنية دون إعادة نظر شاملة في منظومة العمل. أدت هذه النظرة إلى نتائج محدودة جدا لم ترق إلى تطلعات تلك الجهات وعملائها وغير مؤهلة لمواجهة تحديات العصر ومواكبة أهداف الألفية للتنمية المجتمعية.

النتائج المادية للتحول.

الدول الناجحة نظرت إلى التحول على أنه فرصة لتخفيض النفقات وبالتالى تقديم خدمات أرقى بتكلفة أقل؛ لاسيما وأن بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة اتسم بتقلبات كبيرة في الأسواق المالية ونقص السيولة وتغيرات كبيرة في الميزان التجاري العالمي. لذلك تمت صياغة برامج تحول تستهدف تخفيض تكاليف الخدمات الحكومية وتم وضع معايير ومؤشرات لضمان تحقيق هذا الهدف. النجاح الذي حققته هاته المبادرات في تخفيض التكلفة الحكومية رفع ثقة القيادات العليا في فاعلية التحول المؤسسي وشجع على الانخراط في المزيد من المبادرات ورفع الاستثمار في هذا المجال. مما أدى إلى نجاح مستدام للتحول في القطاع الحكومي. على العكس من ذلك في دول أخرى لم يعر التحول الإلكتروني اهتماما واضخا لتخفيض النفقات فأصبح التحول مع مرور الوقت ثقلا ماليا بسبب ما أنتجه من إنفاقات جديدة على الأنظمة والتجهيزات التقنية وصيانتها المستمرة. هذه النتائج العكسية أدت بحكومات هذه البلدان إلى تقليص موازنات التحول أو تجميدها مطلقا لما أثبتته التجارب من استهلاك للموازنات دون عائد ملموس يخفف من أعباء الحكومة ونفقاتها.

منهجية التحول.

التحول هو بطبيعته عملية معقدة وهو رحلة قد تستغرق سنوات عديدة. الانطلاق في مبادرات تحول ضخمة دون توفر منهجية عملية مدروسة بعناية وتناسب وضع البلد ونظامه الإداري وثقافته المؤسسية والكفاءات المتوفرة خطأ كبير. الدول الناجحة قامت بتبني منهجيات تحول متقدمة وحرصت على تكييف هذه المنهجيات أو صياغتها من جديد وتدريب الموظفين عليها قبل الشروع في تنفيذ مبادرات التحول. كما أنشأت هيكلا مؤسسيا يقود عملية التحول وتم تأهيله وإعطاؤه صلاخيات مهمة. الدول التي لم تنجح في تحقيق تحول حقيقي على مستوى القطاع الحكومي اكتفت بوضع رؤية هلامية وإطلاق بعض المبادرات التسويقية وتوفير موازنات محدودة تم إنفاقها على الأجهزة والمعدات. لم تتبنى هذه الدول منهجيات تحول متينة تنقلها من الوضع الراهن إلى الرؤية المستهدفة.

قيادة التحول.

التحول المؤسسي سواء في القطاع الحكومي أو الخاص يحتاج إلى قيادة من نوع خاص. شخصية الموظف البيروقراطي الذي تعود على الرتابة والبطء والترقي الوظيفي بناء على الأقدمية وعدد سنوات الخدمة هو عادة غير مؤهل لقيادة برنامج تحول مؤسسي طموح. تبين التجربة أن الجهات الحكومية والوزارات التي استفادت من الكفاءات الشابة والكفأة والطموحة وربطتها مباشرة بمكتب الوزير كانت أقدر على تخطي تحديات التحول والتغلب على المقاومة الداخلية وتحقيق نقلة نوعية على مستوى الأداء والفعالية ورضا العملاء.


بعد هذا التحليل المختصر والمركز لأهم عوامل نجاح وفشل التحول الرقمي أو المؤسسي، يبقى السؤال مطروحا بالنسبة للدول أو الجهات الحكومية التي فشلت كليا أو جزئيا في تحقيق تحول مؤسسي ناجح، هل هناك مجال لتدارك الأمر وتصحيح المسار واللحاق بركب الدول الناجحة رقميا والقادرة على تحقيق الرفاهية لمجتمعاتها بموازناة معقولة.

ترقبوا الجزء الثاني من هذا المقال والذي يقدم توصيات هامة للانتقال من حالة الإحباط والفشل الذي تعاني منه مجموعة من الجهات الحكومية وبعض الدول إلى وضع مشرف يواكب تحديات الحاضر والمستقبل ويرقى إلى تطلعات المجتمعات الحديثة.

Subscribe To Our Weekly  Egov Digest 

Subscribe To Our Weekly  Egov Digest 

Join our mailing list to receive the latest news and updates from our blog. 

You have Successfully Subscribed!

Comments are closed.